الشيخ محمد جميل حمود
366
الفوائد البهية في شرح عقائد الإمامية
يقربه إلى اللّه تعالى زلفى . ويبعده عن المفاسد والأهواء والبدع الباطلة . وبالاختصار أنّ هذه الأدعية قد أودعت فيها خلاصة المعارف الدينية من الناحية الخلقيّة والتهذيبيّة للنفوس ، ومن ناحية العقيدة الإسلامية ، بل هي من أهم مصادر الآراء الفلسفيّة والمباحث العلميّة في الإلهيّات والأخلاقيّات . ولو استطاع الناس - وما كلهم بمستطعين - أن يهتدوا بهذا الهدى الذي تثيره هذه الأدعية في مضامينها العالية ، لما كنت تجد من هذه المفاسد المثقلة بها الأرض أثرا ، ولحلّقت هذه النفوس المكبّلة بالشرور في سماء الحقّ حرة طليقة ولكن أنّى للبشر أن يصغى إلى كلمة المصلحين والدعاة إلى الحقّ ، وقد كشف عنهم قوله تعالى : إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ . نعم إن ركيزة السوء في الإنسان اغتراره بنفسه وتجاهله لمساوئه ومغالطته لنفسه في أنّه يحسن صنعا فيما اتخذ من عمل : فيظلم ويتعدّى ويكذب ويراوغ ويطاوع شهواته ما شاء له هواه ، ومع ذلك يخادع نفسه أنّه لم يفعل إلّا ما ينبغي أن يفعل ، أو يغضّ بصره متعمّدا عن قبيح ما يصنع ويستصغر خطيئته في عينه . وهذه الأدعية المأثورة التي تستمدّ من منبع الوحي تجاهد أن تحمل الإنسان على الاختلاء بنفسه والتجرّد إلى اللّه تعالى ، لتلقنه الاعتراف بالخطإ وأنّه المذنب الذي يجب عليه الانقطاع إلى اللّه تعالى لطلب التوبة والمغفرة ، لتلمسه مواقع الغرور والاجترام في نفسه ، ومثل أن يقول الداعي من دعاء كميل بن زياد : « إلهي ومولاي ! أجريت عليّ حكما اتبعت فيه هوى نفسي ولم أحترس فيه من تزيين عدوّي ، فغرّني بما أهوى ، وأسعده على ذلك القضاء ، فتجاوزت بما جرى عليّ من ذلك بعض حدودك ، وخالفت بعض أوامرك » . ولا شكّ أنّ مثل هذا الاعتراف في الخلوة أسهل على الإنسان من الاعتراف علانيّة مع الناس ، وإن كان من أشقّ أحوال النفس أيضا . وان كان بينه وبين نفسه في خلواته ، ولو تمّ ذلك للإنسان فله شأن كبير في تخفيف غلواء نفسه الشريرة وترويضها على طلب الخير . ومن يريد تهذيب نفسه لا بدّ أن يصنع لها هذه الخلوة والتفكير فيها بحرّية لمحاسبتها ، وخير طريق